أبي الفرج الأصفهاني
277
الأغاني
جئتنا بعمر بن أبي ربيعة من غير أن يعلم أنا بعثنا بك إليه ، فقال : أفعل فكيف تريان أن أقول له ؟ قالتا : تؤذنه [ 1 ] بنا ، وتعلمه أنا خرجنا في سرّ منه ، ومره أن يتنكر ، ويلبس لبسة الأعراب ، ليرانا في أحسن صورة ، ونراه في أسوإ حال ، فنمزح بذلك معه ، فجاء خالد إلى عمر ، فقال له : هل لك في هند والرباب وصواحبات لهما قد خرجن إلى العقيق على حال حذر منك وكتمان لك أمرهما [ 2 ] ؟ قال : واللَّه إني إلى لقائهن لمشتاق ، قال : فتنكر ، والبس لبسة الأعراب ، وهلمّ نمض إليهن ، ففعل ذلك عمر ، ولبس ثيابا جافية ، وتعمّم عمّة الأعراب ، وركب قعودا له على رحل غير جيد ، وصار إليهن ، فوقف منهن قريبا ، وسلَّم ، فعرفنه ، فقلن : هلمّ إلينا يا أعرابيّ ، فجاءهن ، وأناخ قعوده ، وجعل يحدثهن ، وينشدهن ، فقلن له : يا أعرابي : ما أظرفك ، وأحسن إنشادك ! فما جاء بك إلى هذه الناحية ؟ قال : جئت أنشد ضالَّة لي ، فقالت له هند : انزل إلينا ، واحسر عمامتك عن وجهك ، فقد عرفنا ضالَّتك ، وأنت الآن تقدّر أنّك قد احتلت علينا ، ونحن واللَّه احتلنا عليك وبعثنا إليك بخالد / الخرّيت ، حتى قال لك ما قال ، فجئتنا على أسوإ حالاتك ، وأقبح ملابسك ، فضحك عمر ، ونزل إليهن ، فتحدّث معهن ، حتى أمسوا ، ثم إنهم تفرقوا ، ففي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة : صوت ألم تعرف الأطلال والمتربّعا ببطن حليّات دوارس بلقعا [ 3 ] إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلت معالمه وبلا ونكباء زعزعا [ 4 ] / فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما نكأن فؤادا كان قدما مفجّعا [ 5 ] لهند وأتراب لهند إذ الهوى جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا في هذه الأبيات ثقيل أول لمعبد : تبالهن بالعرفان لمّا رأينني وقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا [ 6 ] وقرّبن أسباب الهوى لمتيّم يقيس ذراعا كلمّا قسن إصبعا كان جده عبدا آبقا أخبرني الحسن بن علي ، قال : حدثنا أحمد بن الحارث ، عن المدائني ، وذكر مثل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى :
--> [ 1 ] تؤذنه : تعلمه . [ 2 ] أمرهما : مفعول للمصدر « كتمان » . [ 3 ] حليات : جمع حلية ، وهي ما ابيض من يبس النصي ، وهو نبت سبط من أجود المراعي ، وفي هج ؛ « حليات » - بالحاء المعجمة - « دوارس بلقعا » حالان من الأطلال لا صفتان لحليات ، وفي هج : « ألم تسأل » بدل « ألم تعرف » . [ 4 ] في هج : « السفح » بدل « السرح » ، المغمس : مكان . النكباء . الزعزع : الريح العاتية . [ 5 ] نكأن فؤادا : من نكأ الجرح ، قشرة قبل أن يبرأ ، فدمي . [ 6 ] تبالهن : تظاهرن بالبله ، أكل : أرهق دابته ، أوضع : أسرع بدابته حتى أنهكها ، والمراد أنهن تظاهرن بعدم معرفته ، وقلن ؛ أعرابي أجهده السير ، وأجهد راحلته .